الشيخ جواد بن عباس الكربلائي
392
الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة
شرّ خلق اللَّه . والحاصل : لعلّ السائل ادّعى رتبتهم عليهم السّلام فردّه الإمام عليه السّلام بأنّ طلب هذا المقام لا يكون إلا من شرّ خلق اللَّه ، وقد نرى في التاريخ أنّ من كان مدّعيا لمقام الأنبياء والأولياء والأئمة كان من شرّ الخلق كما لا يخفى على من يتتبع الآثار . أقول : هذا الجواب خلاف الظاهر العرفي جدّا فإنّ قوله عليه السّلام : إنّما ينتصر اللَّه لدينه بشرّ خلقه ، ظاهر في أنّ طلب أحد أن يكون ممّن ينتصر به للدين أمر مرغوب فيه ، ولكن احذر أن تكون من شرّ خلق اللَّه الذي ينتصر به الدين ، فإنّ الانتصار للدين يعمّ كون الناصر من خيار الخلق أو من شرار الخلق ، وإن كان المصداق الأعلى منه المختص بالأئمة عليهم السّلام لا يكون إلا من الأخيار ، واللَّه العلام بحقيقة الأحوال ، فحينئذ الجواب هو الأوّل كما لا يخفى . ونقول توضيحا للمقام : إنّ نصرة الدين هي في نفسها أمر مرغوب فيه ، ومن مقامات الأئمة عليهم السّلام ومقامات أولياء اللَّه تعالى كالصلاة الحقيقية التي هي معراج المؤمن وكسائر العبادات ، ومعلوم أنّ العامل بها وبسائر العبادات قد يكون هو بنفسه ممن قد هذّب نفسه فيمكنه إيجاد العلم مع الإخلاص والإيمان ، فلا محالة يكون عمله مقبولا منه ، وهذا بخلاف ما إذا كان ممّن كان متّصفا بصفة النفاق ، فإنّه حينئذ إذا أدى العبادة أو نصر الدين إنّه حينئذ وإن كان العمل في نفسه - مع قطع النظر عن العامل - أمرا مرغوبا فيه ، إلا أنّ هذا العمل الصادر عن نفاق لا يكون كمالا للعامل ، بل يوجب عقوبة له لما أوجده بدون الإخلاص . فهذا العمل الكذائي لا يدلّ على أنّ العبادة والنصرة ليست أمرا مرغوبا فيهما ، بل يمكن أن تكون من أحسن أنحاء العمل العبادي والقربي ، إلا أنّ هذا الشخص قد أتى به فاسدا ، فالمذمّة ترجع إلى العامل لا إلى نقص في حقيقة العمل والعبادة مثلا ، فالإمام عليه السّلام أجاب السائل بأنّك تسأل أن يجعلك اللَّه ممّن ينتصر به الدين هذا دعاء عام قد يلازم مع الكمال النفساني وقد يلازم النفاق .